عبد الملك الجويني

282

نهاية المطلب في دراية المذهب

[ مرتّبان ] ( 1 ) على بعض ما تقدم ، وهو إذا ظن المقتولَ حربيَّاً دخل دار الإسلام [ غلبةً ] ( 2 ) ، وتوصل إلى دخولها غلبةً ، ووجه الترتيب أنه اشتد ظنه فيمن ظنه حربياً إلى جهةٍ يجوز القتل فيها أو يجب ، بخلاف ما لو حسبه مستمراً على الذمة ؛ فإن قتل الذمي محظور ، والإحقان بالذمم محذور ، فكأنه اعترف بالهجوم على محظور ، وظنَّ مسقطاً . ومن هذا القبيل ما لو كان رأى عبداً أو ظفر به يوماً فقتله ، [ وبنى ] ( 3 ) النجاة من القتل على أن الحر لا يقتل بالعبد ، فلو تبين له أنه أعتق ، وجرى قتلُه بعد الحريّة ، فهو كمسألة الذمي . ثم تردد أئمتنا في الكلام في هذا [ الضرب ] ( 4 ) الذي نحن فيه وفي مسألة أخرى ، وهو إذا لقي مرتداً كان حسبه مصرّاً على ردته ، فقتله ، ثم بان أنه تاب عن الردة ، ففي وجوب القصاص القولان المشهوران ، فمن أصحابنا من جعل مسألة المرتد أولى بسقوط القصاص ؛ من قِبل أنه ظنه هدراً ، ونَهْيُ آحاد الناس عن قتله أدبٌ وسياسة ، وليس كالذمي ؛ فإن قتله محظور ديناً ، وهو معصوم مضمون . ومن أصحابنا [ من جعل ] ( 5 ) مسألة الذمي والعبد أولى بسقوط القصاص من مسألة المرتد ، والسبب فيه أن ظن بقاء الذمة والرق أوجه من ظن بقاء الردة ، وترك المرتد ينقلب بين ظهرانَي المسلمين . وهذه المسائل في أصولها وتفرعها وتركبها وترتبها ينبغي أن تؤخذ من قوة الظنون وضعفها ، فهذه جملةٌ حوت فنوناً من الظنون واشتملت على أحكام مراتبها ، وسنعود إلى بعض قضاياها عند الكلام فيما يُضرب على العاقلة وما لا يضرب عليهم ، إن شاء الله تعالى .

--> ( 1 ) في الأصل : " قريبان " . ( 2 ) في الأصل : " عليه " . ( 3 ) في الأصل : " وبين " . ( 4 ) في الأصل : " القرب " . ( 5 ) زيادة اقتضاها السياق .